مدفع رمضان سنة أظنها حميدة إندثرت حالياً بأغلب الأقطار الإسلامية إن لم يكن جميعها ، كان وسيلة لتنبية الصائمين بحلول وقتي الإفطار والإمساك وهو عادةً جميلة ولطيفة تضيف لرمضان مزيداً من النكهة ، مزيداً من السحر والروعة ، إختلف الناس حول أصل مدفع رمضان والشخصية التي استنت هذه السنة وانقسموا لفريقين كل يحكي روايته .
الرواية الأولى تقول أن السلطان (خشقدم) وهو من المماليك أراد تجربة مدفع جديد كان قد وصله ، التجربة صادفت المغرب تماماً وكان ذلك برمضان عام 865هـ ،حينها ظن أهالي القاهرة أن خشقدم قصد تنبيههم بالمدفـع لموعد الإفطار فطفقوا يشكرونه على هذه الفكرة الجميلة ، بعد أن شاهد الرجــــل مـدى إسـتحسان العامة لهذا الأمر قرر إطلاق المدفع يومياً في رمضان إيذاناً بالإفطار وأضاف طلقةً أخرى تطلق عند الإمساك.
أما الرواية الأخرى فتقول أن ظهور مدفع رمضان حدث أيضاً عن طريق الصدفة البحته ولكن في عهد الخديوي إسماعيل حيث كان الجنود يقومون بتنظيف أحد المدافع حين إنطلقت منه عن طريق الخطأ طلقةً دوى صوتها وصادف وقت إطلاقها أذان المغرب فظن الناس ايضاً أن الرجل أتى ببدعة حسنة وسعدوا بهذا الأمر كثيراً وعندما سمعت بنت الخديوي فاطمة عن إعجاب الناس بالأمر أصدرت فرماناً بإستخدام المدفع عند الإفطار والإمساك وفي الأعياد الرسمية .
إنتقلت الفكرة بعد ذلك من مصر لأغلب دول العالم الإسلامي ووصلت السودان منذ فترة طويلة ، حيث يحكي العم شوقي بدري في كتابة حكاوي أمدرمان عن مدفع رمضان الذي كان يجلب كل عام لميدان المدرسة الأهلية الذي يقع قبالة منزل الزعيم الأزهري حيث يعتبر ذلك الميدان متوسطاً تماماً لمدينة أمدرمان في ذلك الوقت ، يجلب المدفع قبل رمضان بيوم تصحبة زفة و(زيطه وزمبليطه) ، الأطفال بالطبع كانوا هم الأسعد بهذا الحدث حيث يتابعون بعيون واسعه تحريك المدفع حتى يصل لموضعه ويوجه بإتجاه الشرق ، وكان رجال الشرطة الذين يتولون مهمة إطلاق المدفع يفطرون مع أهل الحي الذين يجلسون بسجاجيد قرب المدفع فيما يعرف بفطور الشارع الذي كان ولايزال موجوداً بكل أحياء السودان ، يضيف عم شوقي أنه سمع من بعض الصبية أن صوت المدفع يجعلك ترمي أي شيء بيدك ، لذا يتم تحذير الناس من الإمساك بآنية زجاجية لحظة الإفطار ، فقرر الرجل التجربة ، فأمسك بحجر وجلس قرب المدفع وعند إطلاقة وجد أنه لايزال ممسكاً بالحجر ولم يوقعه بيد أنه كان واقفاً .
أيام الطفولة كنا نتفنن في صنع المدافع برمضان ، بداية العملية كانت بتجميع الأدوات حيث نبحث في (الكوش) أو بورشة محطة مياه بيت المال عن لوح جيد من الخشب ومسمار مناسب وأهم وأصعب قطعة هي (بلك العربية) حيث أن جزءه الأمامي به قطعة حديد مجوفه كانت تمثل العمود الفقري للمدفع ، بعد جمع القطع يتم إخراج القطعه الأمامية المجوفة من (البلك) وتركيبها بالقطعة الخشبية وربط مسمار مع المدفع بسلك ، بعد ذلك يستخرج الكبريت من العيدان ويتم إدخالة في رأس البلك ثم يضغط المسمار داخل الكبريت ويدق رأس المسمار بأقرب عمود ، بعد ذلك ( طراااااخ ) كنا نواجه بتأليب شديد عند اللعب بهذة المدافع نهاراً لأنها توقظ الصائمين بيد أن الكبار يسعدون جداً عندما نطلقها مع آذان المغرب.
أتمنى أن يصدر والي الخرطوم د.الخضر (فرماناً) بإرجاع مدفع رمضان وأرجو أن لايكسل الرجل لأنه لإسماع كافة مواطنى الخرطوم حالياً ومع توسع الرقعة السكانية سنحتاج لمئتي مدفع ويزيد .
كونوا كما تشتهي لكم أمهاتكم

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق