الأربعاء، 8 فبراير 2012

بالأسكلا كان لقاؤهم الأخير


 بأقدام وجله دلف ذلك المطعم القابع جوار النيل ، كآخر عهده به كان المكان هادئاً وأنيقاً للغاية ، جال بنظره بأنحاء المطعم ليختار الطاولة الأهدأ ، لم يكن ينشد السكينة لنفسة فقد كان متيقناً من أن المورفين نفسه لن يتمكن من كبح جماح عقله الثائر ، فقط لم يشأ أن يزعج الحضور ، فهو يعلم أن هذا المكان لاترتاده سوى طيور الحب ، جميع الحضور كانوا يشربون من كأس واحده هي الهيام  ، حتى ذلك الخمسيني وزوجته الأنيقه الذين يجلسون بآخر الممر كان بادياً من نظراتهم أن عشقهم إنتصر في معركته ضد ضغوط وروتين مابعد الزواج .
لحسن حظه أن طاولته كانت شاغره وأيضاً مايجاورها ، جلس وأدار وجهه ليواجه النيل الذي إستقبله بلفحة هواء رطب ، قبل عام من اليوم كان الرجل الأسعد في العالم ، ألقى نظرة سريعه على مقعدها الفارغ فطالعته بنفس البهاء ونفس الإبتسامة الخجول التي كانت تشعل كل حواسه ، حبه العميق جعله يتخذ أغرب موقف على الإطلاق ، ببساطه قرر التخلي عنها ، ذلك اليوم محفور بذاكرته تماماً كالإسم ومكان السكن والعمل ، كانا جلوساً على نفس هذه الطاولة ، ثوبها الأنيق نافس بهاء النيل نفسه ، وجهها المريح أزال عنه كل رهق العالم ، نظر ملياً في عينيها وقال : عيناك نافذتان تطلان على جنان لم يزرها بشر من قبل ، لم يعد هناك مشهد يسعدني كرؤية عينيك ووجهك المضيء ، إعتلتها حمرة ، أطرقت وجهها وإبتسمت نافخة في روحة كل مرح وسعادة الكون ، حجابها كان تاجها الذي زاد حسنها حسناً .
قضيا داخل المطعم بذلك اليوم وحسب التوقيت الشمسي ساعةً ونصف مرت به وكأنها ربع فيمتو ثانية ، خرجا بعدها للطريق ، شعر يومها أن جميع رجال الخرطوم كانوا يخططون لإغتياله عسى أن تأتيهم ذات يوم فرصة النيل بقلبها ، بسرعة أوقف عربة (أمجاد) وأوصلها حتى باب منزلهم وعاد أدراجه وهو محمل بكل سعادة الأرض .
كان موقناً ذلك اليوم أنه تخطى كل حدود السعادة التي قد يصل إليها أي مخلوق بهذا العالم ، وفجأة ككل عاشق أحمق ، قرر أنه قد إكتفى بهذا القدر ، صوت أبله نمى بداخله أنه لا محالة خاسر بنهاية السباق ، وأن حبهما لن يصمد أربع سنوات (هي الفترة التي قدّر أنه عندها سيمتلك القدرة المادية للإقدام على الزواج) ، عندها قرر الإنسحاب ، فقط كي لاتتركه بمنتصف الطريق ، عندها ربما يفتر حبه لها وربما يكرهها (لاقدر الله) هكذا قال لنفسه ، ولكي تظل روعة حبها بداخله للأبد عليه الإنسحاب الآن وفوراً .
بكل غباء العالم نفذ حماقته تلك فلم يتصل بها ذلك المساء ولا باليوم التالي بل ولم يجب على إتصالاتها ورسائلها المتتاليه التي كانت تعكس إنزعاج ملاكه من إختفائه المفاجيء وبعد أسبوع فتح الله عليه بعذر أكثر حماقةً من قراره لكي يطمئنها فأرسل يخطرها بأنه قرر الإرتباط بأخرى .
توارت وظل حبها وذكراها وحتى رائحتها حاضرةً بداخله تبث به سعادةً ودفئاً دائمين .
بعد مرور أكثر من شهر أحس برغبة عارمة لسماع صوتها ، مجالستها ، الإحساس بدفء ونعومة كفها عند مصافحتها ، كانت رغبته تلك تزداد يوماً بعد يوم ، عندها زاد ندمه على قرارة الأحمق وقرر مهاتفتها ، إنتظر أسبوعاً آخر حتى واتته الشجاعة لكبس زر الإتصال بعد كتابة رقمها ، لكنه بدلاً من سماع صوتها كان يستمع بكل مرة لصوت موظفة الشركة وهي تقول (الرقم الذي طلبته لايستجيب ،الرجاء إعادة الإتصال مرةً أخرىً) .
بعد كثرة محاولاته المحمومة ردت ، أتاه الصوت كما هو ، عذب كالماء نقي كالهواء ، طاهر كصوت تسبيح السماء ، أخطرته بإقترانها بآخر وإقتراب موعد زواجها منه ، طلبت منه نسيانها ، لم تكن تدري أن هذا الخيار غير متوفر له ، فالنسيان كما أخبرها هو أداة يقتل بها من يمقتهم ، ولا توجد قوة بالعالم قادرة على إنتزاع ذكراها التي إستطاعت النفاذ لأعماق أعماق عقله وقلبه بل وكيانه بأجمعه .
جرب كل خلطات العطارين ليتمكن من النسيان ، غير المكان بعد أن يإس من إرجاع الزمان ولكن بائت كل محاولاته بالفشل ، ذات مساء وبينما كان جالساً لوحدة يواجه خيباته إذا بهاتفه يرن ، كان يظن أنه أحد (الشباب) يود مناقشته بأمر ما  فنهض متثاقلاً لإلتقاط الهاتف إلا أنه فوجيء برقمها يتوسط الشاشة ، كاد عقله يذوب فرحاً ،  قلبة صار يدق كمحرك بقوة ألف حصان ، كل أعضاؤه رقصت بتلك اللحظة ، بأصابع مرتجفة ضغط زر الرد الأخضر وسمع صوت أعذب سيمفونية في الأرض يحدثه قائلاً (حبيبي لو لسه عاوز نرجع لي بعض أنا موافقه)  ، حلق حتى لامس رأسة سقف الغرفة ، إنعقد لسانة وكأنما إبتلعه مارد ما ، نسي كل حروف العربية بل واللغات الأخرى جميعاً ، بينما هو بغمرته تلك إذا بيد تهزه بقوة وصوت يصيح به (أصحى الساعة تسعة جات إنت الليله ماماشي الشغل وللا شنو ؟؟؟!!!!!) .
نهض متثاقلاً وفي عينيه نظرة أقرب للجنون منها إلى البله ، منذ ذلك الحلم لم يتوقف يوماً واحداً من الذهاب إلى الأسكلا .